يوميات مواطن سوري
يناير 29th, 2012 بواسطة Khalid
تبتدي رحلتـي من مغادرتي احد الدول الخليجيه عائدا الى سوريا لقضاء اجازه .. وبالتحديد تبتدي عند الحدود السوريـة حيث تقابلنا في البداية صورة بشار مبتسما واعلان سيرياتيل .. واهلا بكم في سوريا .. آخيرا لم يتبقى سوى مئات الامتار واكون في قريتي القريبه من الحدود السوريه بتقاطعها مع الاردن وكالمعروف علينا الدخول الى مبنى الجمارك لختم جوازات السفر .. لا أدري لماذا للحظه كان في داخلي بعض الرعب من هذا الموقف .. اخذ جوازي يقلبه ثم ينظر الى شاشة الكمبيوتر امامه .. اخذ جوازي وذهب به الى شخص آخر .. ثم عاد الي ومع كل خطوه له كانت تتسارع نبضاتي لاأدري لماذا .. فقال لي انت مطلوب للجيش ولم تخدم .. قلت ولكني مغترب وارسلت سندات اقامه ! قال هممم ثم عاد الى كمبيوتره وقال لا تواخذنا “تشابه اسماء” .. قلت شكرا ختم جوازي .. وغادرت هذا الوجه العابس شاكرا ربي .. ليقابلني آخر مبتسما الحمد لله ع السلامه وشو جبتلنا معك .! اجبته: جبت لك انا وسلامتـي .. لم يخجل وتابع قائلا “رش شي علبة دخان خلي الناس تعرفك” .. ولم ابخل بعلبة سجائري واخذها فرحا .. بالعافيه عليه : ) ..
انقضى يومي الاول بعد عودتي سالما الى بيتي .. وكان صباح اليوم التالي الاول في اجازتـي خرجت مبكرا وكان اول من يقابلني ابن جارنا العسكري يرتدي بدلته العسكريه ويحمل حقبيته صافحته ولكنه اصر على قبلات الخد ولا احبها بتاتا .. وبعد قبلات خجوله سألته اين تخدم فقال في دير الزور .. ربي يعينك اجبته .. من اقصى جنوب سوريا وتخدم في اقصى شمالها متى نشوفك المره الثانيه ؟ اجابني بعد اشهر انهيت لقائنا بـ موفق ان شاء الله .. كم يعاني .. تابعت في طريقي
الى المخبز لأحضر بعض الارغفه كان بامكاني احضارها من البقاله ولكن وددت برغيف ساخن .. في طريقي اشاهد السنافر الصغار يجرون ارجلهم الى المدرسـه كمن يساق الى عمل شاق .. يحمل الطفل فيهم على ظهره حقيبة كتبه يتعب من حملها رجل بالغ .. اشاهد براءة الطفوله في وجوههم ولكن معها بعض الغضب البريء فهم ذاهبـون الى مدارس غاب عنها الجو الوردي الهاديء وساد فيها الجو البعثي الكئيب .. تبتدي معاناتهم عندما يقابل هذا الطفل البريء باب المدرسه الاسود الكبير لصقت عليه صورة حافظ وباسل وبشار يدخل ويردد شعارات حزب البعث بنظام عسكري .. ثم يقاد الى القاعات الصامته التي تحكمها مدرسات تخرجن من حزب البعث همهن قمع هؤولاء الاطفال الصغار بالضرب والعصا ..
اتابـع .. وأمامي صوت مزعج .. احدهم يدحرج اسطوانة الغاز امامه ليوصلها الى بيتـه .. ولاشيء اعلى في هذا الصباح من صوت الدراجات النارية يتسابق اصحابها كلن الى عمله ومهمته .. فالدراجات هي الحل الامثل والاوفر لهذا الشعب في حال لم تفرض عليها ضرائب خياليه للتسجيل والرفاهيه كـ السيارات .. هذا هو المخبز كما هو على حاله طوابير نساء ورجال يصطفون .. كلامهـم لم ارد سماعـه فاعتدناه .. زوجت وطلقت .. الخ .. يلوح بيده احدهم من بعيـد لـ أبو ماهر صاحب الفرن فأيتيه طلبه ولا يعترض احد فهذا الشخص يعرف مدير مخفر الشرطه .. ودقيقة انتظار خير من ان تحرم من خبزك .. ثم ينادي ابو ماهر “خلصنا ياجماعه” ليش ياأبو ماهر .. المؤسسه ماجابت طحين ..!
على مسافة ليست ببعيده .. هناك المؤسسه الاستهلاكيه نساء ايضا ورجال يجرون عرباتهم امامهـم .. “ليست عربات المجمعات التجاريه” انما عربات عمال البناء .. ليستلم كلن منهم نصيبه مما قسم له من الارز والسكر .. ولاتسمع سوا الشكوى والتذمر .. بغاية تبديل هذا الجو الصباحي قررت مغادرة القريه متجها الى المدينه .. الى درعا بسيارة احدهم ليس في الطريق سوا “السرافيس” باصات النقل متجهه الى المدينه من قرى حوران المحيطه.. في المدخل يقف شرطي المرور بجانب تمثال حافظ “سابقا” لا أعلم لماذا لايختنق على كثرة ماينفخ بصفارته لتقف السيارات واقف انا ايضا سبقني اليه احدهم وبدون اي سابق صافحه وبيده ورقه نقديه لم احددها وعاد الى سيارته .. اقتربت من شرطي المرور والقيت التحيه ولكن لم يجب وكـ سابقي ايضا وضعت “المعلوم” في يد رجل الوطن هذا وتابعت دخولي الى المدينه
تركت السيارة جانبا .. أول مكان وددت الذهاب اليه السوق .. ذلك السوق الذي كنت اتسكع فيه ايام المراهقه مع الاصحاب لايهم ان شوارع هذا السوق تمتليء بالطين .. فلا تستطيع الانشغال بمتابعة خطواتك في وجود الكم الهائل من الناس .. امامي وقبل وصولي … سياره مسرعه توقفت فجأه ونزل منها اربع عناصر يرتدون بدلات عسكريه ويعتمرون القبعات الحمر يمسكون احدهم على بعد امتار مني يضرب من هذا ومن ذاك وصوت الصفعه على وجهه يصل الى اعصابك قبل ان تسمعه لتتابع في طريقك وكأنك لم ترى شيئا ..
في السوق لم يختلف شكل البسطات .. لازالت على حالها هذا يبيع الكاسيتات وهذا بعض القطع والاكسسوارات وهذا دفاتر واقلام .. وهناك سوق الخضره وكأن بينهم تحدي في التسويق بالصوت العالي .. لم تمر الدقائق الا واشاهد استنفارا كاملا في السوق واحدهم من بعيد ينادي “بلديه بلديه” سيارة كبيره خضراء نزل منها رجال اقتحام وكل صاحب بسطه قد اخذ ما آخذ وفر مبتعدا الا ذلك الرجل المسن بعيدا امامه بسطه صغيره عليها بعض الورود .. اتى اليه احد رجال الوطن . رجال البلديه ورفس البسطه برجله بعيدا والغريب ان الرجل المسن لم يحرك ساكنا .. اقتربت منه ولم اسمع سوا “لاحول ولا قوة الا بالله العلي العظيم” .. تابعت طريقي مطئطا وكأني ايضا لم أشاهد شيئا .. واضعا يداي في جيوبي لا اتلفت كثيرا فقط مجرد محلات تجاريه وصور بشار .. الى ان وصلت الى ساحة “تشرين سابقا” التي اسقط فيها صنم حافظ في بداية الثورة .. لاشيء ايضا مختلف وجوه كثيره واصوات ابواق السيارات وذلك الرجل الذي يبيع السجائر .. لم يبارح مكانه منذ سنين فقد الفت وجهه ! لم أطل الزيارة الى مهد الثوره وعدت الى قريتي لاكمل يومي امام شاشة التلفاز .. فلا يوجد انترنت ليشغلنـي
في الليل يجتمع الاصحاب .. والحديث لم يختلف .. زرعت قمح .. حرثت الارض .. الخ يقاطع احدهم ليقول “دريتو شو صار بفلان” .. شو صار .. ابن الـ كتب فيه تقرير وسحبوه الامن السياسي .. لاتسمع سوا “يالطيف” وينتهي الحديث عند هذه النقطه فلا مجال للنقاش بهذا الموضوع .. وتكتشف بان المشكله كانت سطحيه ولكن ابن الـ ينتمي لحزب البعث ويسفق تقارير .! وهم والدي هو ان لاتنقطع المياه فاليوم هو دور حارتنا بعد انتظار اسبوع .. يجب ان نملاأ الخزانات فقد منحتنا الدولة نعمة الماء لهذا اليوم يجب ان نتابعها حتى الصباح .. ولكن لم تدم لان الكهرباء تقطـع .. تستمر السهره على ضوء “السراج” ويغادر الجميـع .. اغادر الى فراشي ايضا ولا أفكر في جدولي غدا غاب الامل بان غدا هو يوم جديد .. لم ينقضي الاسبـوع الاول وهممت مغادرا وطني الجميل الذي لم أجد فيه روحا..
هذه هي سوريا .. فمـا كتبته واقع عشته .. ويعيشه الجميـع .. لم نكن نلاحظه لان كل واحد منا قد شغل بنفسـه وتأمين عيشه فقط .. لم يتجاوز حدود نفسه ابدا ..
جميل هو وطنـي .. ولكنه دون روح .. لنكن نحن روحه

وش اسـوي دامنـي مبـدع